أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي

22

كتاب النسب

ولما جاء الإسلام أحدث بقدومه ثورة هامة في حياة العرب ، إذ نقلهم من طور الوحدات السياسية المتعددة القائمة على نظام القبيلة إلى وحدة سياسية ممثلة بنظام الدولة ونمّى فيهم براعم الشعور القومي ، فأحس العرب بقوميّتهم الجامعة ، وفي كونهم أمة واحدة لها خصائص الأمة ، ووضع الإسلام مفاهيم جديدة للعصبية والعروبة والنسب . . فقد جاءت رسالته لتتمم مكارم الأخلاق ولم يلغ مكانة النسب إنما جعل الهدف من تعلمه وحفظه التكاتف والتراحم ، وجاء ذلك على لسان الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم : « تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم » « 1 » . وقد كان كثير من الصحابة يتقنون هذا الفن ويحفظون الأنساب وفي طليعتهم أبو بكر الصديق الخليفة الراشدي . 2 - عصر الفتوح وانعكاساته على علم النسب : كان لهذا العصر التأثير الهام في حياة العرب بما أحدثته الفتوح الإسلامية من تطورات اجتماعية وسياسية واقتصادية ، فقد نشأت عصبيات الأقاليم والأمصار ونجم عنها التنافس بين القبائل التي تسكن في كل منها ، كما تشكلت ارستقراطية عربية تمتعت بمميزات خاصة بحكم مكانتها ونسبها ، مقابل فئة الموالي التي أخذت بالازدياد والنمو وبالتالي شكلت ضغطا معارضا للحكم العربي وامتيازاته ، ومن ناحية أخرى بدأت تنمو بذور الشعوبية وكان لها مظاهر وأهداف - وضحناها في مكانها . أما من الزاوية الاقتصادية فقد اتسعت موارد الدولة وتنوعت مصادرها ، فكانت الحاجة ملحة لإيجاد جهاز ينظم واردات الدولة ونفقاتها ، ومن هذه الضرورة أسس ديوان الجند بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب الذي شكل لجنة ثلاثية مكونة من كبار رجال قريش الذين اشتهروا بمعرفة الأنساب ، وأشار عليهم بوضع الناس على مراتب اتفق عليها وعلى حسبها يكون العطاء ، وكان للأسس التي اعتمدت في تدوين أنساب القبائل لهذا الديوان - أكبر الأثر في تطور علم النسب ، إذ اعتمدها النسابون العرب أصلا في كل ما كتبوه وصنفوه في ما بعد ، وبالتالي وبتأثير كل العوامل السابقة التي ذكرناها ازدادت عناية العرب بأنسابهم فحرصوا عليها وحفظوها ورووها . 3 - العصر الأموي : إن الأحداث السياسية التي برزت - آنذاك - من ظهور مشكلة الخلافة والإمامة وتشكل الأحزاب السياسية المعارضة للحكم الأموي وسياسة توازن القوى بين القبائل

--> ( 1 ) مسند أحمد بن حنبل 2 / 347 ، الترمذي ، 49 .